بقلم: ماهر اللطيف
في تلك الليلة، لم يفقد صابر والديه وإخوته فقط،
بل فقد البيت، والشارع، والاسم،
وخُلع من طفولته خلعًا،
حين قصف العدو المنطقة التي كانوا يقيمون بها،
ومعهم جملة من السكان،
في عملية محت وجودهم،
ودفعت بهم دفعة واحدة إلى الحياة البرزخية،
انتظارًا ليوم الحشر العظيم.
كان “صابر”، ذي الخمس سنوات، يجوب الشوارع في منطقة أخرى تلك الليلة، باحثًا عما يسدّ رمق جوعه وجوع بقية العائلة، التي رفض أفرادها مصاحبته، وكأن قدرهم شاء ألا يغادروا المكان، لأنه هو ذاته الذي سيشهد انتزاع أرواحهم منه.
كان يرى أنوار الصواريخ تلمع هنا وهناك، تصحبها انفجارات مدوّية، وتكبير وتسبيح بعض الأحياء الذين لم تطلهم بعد يد الظالم الطويلة. لم يتخيل البتة أن عائلته قاطبة كانت محور نور من تلك الأنوار، نورًا سيحكم عليه باليتم، والوحدة، والتشرد، والضياع، ومقارعة الحيوانات المفترسة في كل زمان ومكان، وهو لا يعرف شيئًا عن هذا العالم الذي فُرض عليه التعايش فيه دون حماية أو وقاية.
كابد صابر الأمرّين، رغم ما وصله من عونٍ مادي شحيح، ومعنوي هشّ، من عارف بحكايته أو جاهل بها، فالجميع كان غارقًا في ذات المعاناة. هرب من صواريخ المستعمر وقنابله وخراطيش جنوده المتطورة المنتشرين في كل مكان. جعل من أركمة البنايات مأوى له، يقيم فيها ليلًا، بعد أن ينقّب نهارًا عن حبة قمح أو فتات خبز يابس بين الحجارة والأتربة المتطايرة، التي كانت تخفي تحتها جثث آلاف الأبرياء.
تقدم به السن دون أن يتعلم حرفًا واحدًا. اكتسب تجاربه من الجوع، والعطش، والفاقة، والخوف، والمرض. أحب وطنه وذاب فيه من ظلم العدو وغطرسته. بنى شخصية صلبة لا تعترف بالتردد أو الشك أو الرأفة. فهم، باكرًا، أن عليه أن يكون وحشًا مفترسًا ليقارع بقية الحيوانات في هذه الغابة التي لا تعترف بالأليف والوديع.
ذات صباح، إثر أدائه صلاة الفجر بين أنقاض بناية كبيرة كانت ذات يوم وزارةً للشؤون الدينية، استعد لمغادرة المكان بحثًا عن عمل عرضي أو لقمة عيش، مهما كانت قليلة أو غير صحية، المهم أن تُسكت شبح الجوع القابع داخله. فجأة، سمع صوتًا نسويًا غليظًا يأمره بالتوقف ورفع يديه عاليًا.
التفت إلى مصدر الصوت، فإذا بها مجندة شابة في العشرينات من عمرها، طويلة القامة، رشيقة القدّ، صفراء الشعر، زرقاء العينين، تفوح منها رائحة زكية لم تعرفها أنفه منذ ممات والدته. تحمل رشاشًا، ومسدسًا يتدلى من خصرها، تتطاير الشرارة من عينيها وهي تسبّ وتزمجر:
– لا تتحرك، وإلا أمطرتك رصاصًا يقطعك إربًا إربًا.
– (خائفًا، مبتسمًا ابتسامة مصطنعة) وما الذي فعلته؟
– اصمت أيها الأبله، لا تجادلني.
– (خافضًا صوته) ما أجملكِ… أيتها الحسناء.
(ارتعشت ابتسامة خاطفة على شفتيها قبل أن تخنقها بقسوة)
– سأوصلك بالموت أيها القذر.
تواصل الحوار؛ هي تهدد وتتوعد، وهو يغازل ويعاكس، لا إعجابًا بها، بل محاولةً يائسة للنجاة من الموت. إلى أن تنهدت فجأة، تغيّرت ملامح وجهها، وعبست أيما عبوس، ثم قالت:
– تعرفتُ إلى شابٍّ عربيٍّ حين كنت صغيرة…
وثقت به ثقة عمياء.
مكّنته من كل شيء: المال، والهدايا، ونفسي، وجسدي.
أعطيته كل شيء…
فغدر بي.
رماني فجأة، ما إن تعرف على أخرى،
مدعيًا أن دينه يمنعه من الارتباط بي.
فأين كان هذا الدين حين كان ينال مني؟
لقد حطمني…
وجعلني أكره الرجال،
ثم أكره المسلمين منهم أكثر.
واصلت سرد ذكرياتها، وسبابة يدها اليمنى تضغط على زناد الرشاش، الذي كان يثقب جسد صابر دون رحمة. تصيح تارة، وتبكي طورًا، وصور ماضيها تمر أمامها تباعًا. كانت تغمض عينيها مرارًا، بينما شريط حبها القديم يعيد نفسه بلا توقف.
فجأة، فتحت عينيها.
عاد إليها الواقع دفعة واحدة.
نظرت إلى صابر…
لم يعد صابر.
صرخت مذعورة:
– ما الذي فعلتُه؟!
صوّبت الرشاش نحو رأسها، وبكت بحرقة لم تعرفها من قبل، ثم ضغطت الزناد.
سقطت جثة فوق جثة،
والتحقا معًا…
ببرزخٍ
لم يسأل من بدأ الرصاصة،
ومن كان ينتظرها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق