الثلاثاء، 3 مارس 2026

قصيدةٌ قيلَ عن أبياتها أجمل ما قيل من الشعر بقلم لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
قصيدةٌ قيلَ عن أبياتها أجمل ما قيل من الشعر في الجاهليّة والإسلام. نسبت إلى ثلاثة شعراء هم: 
الصِّمَّة بن عبيد الله القُشَيري (ت 95 هج)، قيس بن ذَريح المعروف بقيس لُبْنَى (ت 68 هج)، قيس بن المُلَوِّح المعروف بمجنون ليلى (68 هج).
ونسبت منها أبيات الى الشاعر يزيد بن سَلَمَة بنِ الطَّثَْريَّة (ت 126 هج) والطثرية أُمُّه نُسب إليها.
    علينا أن نميِّزَ بين تاريخ الادب وبين الأدبِ نفسِه. فالباحث في تاريخ الأدب يتحَرَّى المصداقيّةَ، والحقائقَ التاريخيّةَ، والرُّواةَ والمصادرَ التي تحدّثت عن الأدباء والشعراءِ، وصِحَّةِ الرواياتِ وبيانِ الزَّيفِ من الصحيحِ، والغَثِّ من السمينِ، والعَرَضِ من الجَوهَر.
ويستعملُ مؤرِّخُ ةلأدَبِ الأسلوبَ العلميَّ الخالي من البلاغةِ والمُحَسِّناتِ اللفظيةِ، وجمال التعابير، وجودة التشابيه والاستعاراتِ وغيرها. همُّهُ الأوّل الأدِلَّةُ والبراهينُ التي يقبلها العقل والفكر.
    امّا الأديبُ فهو عكسُ المؤرِّخ. فَدَيْدَنُهُ جمالُ النصِّ الأدبيّ، وروعةُ العبارةِ، والمتْعَةُ الذهنيّةُ، والسبْكُ اللفظي والجرس الموسيقي، والديباجة الفنيّة والجمال العام للتحفة الأدبيّة.
وقد يحدُثُ أن يكونَ الباحثُ أديبا، والأديبُ باحثا، عندئذ تكتملُ الصورة وتقترب الأمور إلى الواقع والموضوعيّة، فلا يكونان كحاطبِ ليل. بل يتوخَّيان الصِّحَّةَ ويدرسان مصادرَ الأدب ومنابعَه، وتزداد درايتهما بالمنحول من الشعر، وتقصِّي الحقائقِ التاريخيّةِ. فلا ينسبان الشعرَ إلا لصاحبه قدرَ ما يمكنهما ذلك، وإلّا فالتحفُّظ مَنْجًى لهم من النقد الذي لا يرحم.
ومن امثال هؤلاء العمالقة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، صاحب نظرية الانتحال في الشعر العربي، والجاهليِّ منه على العموم متأثرا باساتذته الفرنسيين والإيطاليين ممّن دَرَّسوا في جامعة السوربون، وأخصُّ من بينهم نالينو الإيطالي صاحب كتاب تاريخ الأدب العربي، وبلاشير الفرنسي. وقسم من كتبهما ترجم للعربية وانا أملكهما.
لقد جمع حُسين بين الباحث الجادّ في تاريخ الإسلام والأدب العربي في مؤلّفاته، فكان أديبا باحثًا، كتب القصّة والرواية والأبحاث والسيرة الذاتيةَ،َ وقرضَ الشعرَ في شبابه، وهزَّ بفكره المُسَلَّمات.
ومثله فعل استاذنا الدكتور ناصر الدين الأسد منشيء الجامعة الأردنية، وصاحب المؤلفات والأبحاث النَّيِّرة في تاريخ الادب العربي، وله ديوان شعر معروف.
وكذلك الدكتور المصري خليفة طه حسين شوقي ضيف الذي رأسَ مجمع اللغة العربيّة المصري اكثر من ثلاثين سنة، وسلسلة كتبه في تاريخ الأدب معروفة للدارسين. ولا نعدم وجودَ مثلِ هؤلاء في سوريا والعراق. أمثال عبد العزيز الدوري والدكتور جواد علي وغيرهما كثير.
ان ما روي من شعر في العصرين الجاهلي والإسلامي، ويدخل معهما العصر الاموي، ولم نعرف قائلية لا يضرُّ الأدبَ في شيء. بل هو إثراءٌ لمادّة الأدب، وتزويدُ القارئ بمادّة جديدة فيها كثير من الإبداع.
امّا الخسارة الكبرى فتقع على تاريخ الأدب، حيث يفقدُ الحلقات الأولى لنشوئه. فإذا عرفنا الشاعرَ صاحب القصيدة عندئذ نعرف بيئة الشاعر وقبيلته، والمؤثرات الاجتماعية والسباسية والاقتصادية على شعره والحالة اانفسية حين قال قصيدته، فيكون فهمنا لها اكثر وأعظم واقرب إلى الحقيفة.
ننتقل الآن إلى أبيات القصيدة المبعثرة بين الشعراء الاربعة الذين ذكرتهم. وأنا أعتبرها قصيدةً واحدة من ناحيتي الشكل والمضمون. فهي على وزن واحد (بحر الطويل)، وقافيةٍ واحدة وحنينٌ إلى امرأةٍ واحدة هي رَيّا، سوى ماجاء في ديوان مجنون ليلى، حيثُ أُبْدِلَ اسم ريّا باسم ليلى دون تغيُّرٍ في الأبيات. لا اعتقد انّ هذا الخلط من فعل مجنون ليلى، إنما هو من فعل الرواة والنساخ.
في رأيي انّ القصيدة هي من نظم الصِّمَّة بن عبد اللهِ الْقُشَيْري في ريّا ابنة عمِّه التي خطبها، ولم يوفقْ في الزواج منها بفعل العادات العربيّة البالية، تمامًا كما حصل مع مجنون ليلى وعروة وعفراء، وجميل بثينة، وقبس لُبنى، ولو ان الأخير تزوّج منها إلّا انّهما افترقا.
وممّا يقوي رأْيي ما جاء في كتاب الأغاني. فلم يَنسِبْ
ُْ أيَّ بيتٍ من القصيدة لمجنون ليلى في ترجمته. وذَكر معظم ابيات القصيدة في ترجمة الصِّمَّة (الاغاني 6: 3-9 طبعة دار الكتب)
اما باقي الشعراء عدا مجنون ليلى، فقد ورد عندهم البتان والثلاثة. اما ديوان مجنون ليلى فقد وردت القصيدة في الطبعة القديمة (تحقيق عبد المتعال الصعيدي)، ولم ترد في الطبعة الجديدة (طبعة دار الطلائع 2005م الرياض).
كلّ هذا يوحي ان القصيدة نُحلت ونُسبت ألى المجنون قيس ابن الملوّح كما ذكرنا سابقًا.
أبيات القصيدة كما جاءت في كتاب الأغاني؛ سرور الصّبا والشمول 1:433 (بدراستنا وتحقيقنا وضبطنا)، وديوان الصِّمَّة بن عبد الله القشيري (الموسوعة الشعربّة الألكترونيّة، المجمع اىثقافي: (بحر الطويل)
         حَنَنْتَ إلى رَيّا وَنَفْسُكَ باعَدَتْ
                   مَزارَكَ منْ رَيّا وَشَعباكُما مَعا
        أَتَبْكِي على رَيّا ..........................
       فَما حَسَنٌ أنْ تَأتِيَ الأمرَ طائِعًا
             وَتَجْزَعَ أنْ داعِي الصّبابَةِ أسْمَعا
       كَأنّكَ لم تشهَدْ وَداعَ مُفارِقٍ
               ولم تَرَ شَعبَيْ صاحِبَيْنِ تقطَّعا
       بكت عينيَ الْيُسْرَى فلمّا زَجَرتُها
        عَنِ الْجَهْلِ بعدَ الْحِلْمِ أَسْبَلَتا مَعَا
        تَحَمَّلَ أهْلي مِن قَنِينٍ وغادَروا
              بهِ أهلَ رَيّا حِينَ جِيدَ وَأمْرَعا
(قنين: اسم جبل في نجد، جِيدَ: اصابه الْجَوْد وهو اامطر، أمْرَعَ: أخصَب)
        ألا يا خَليلَيَّ اللّذَيْنِ تَواصَيا
                بِلَوْمي، إلّا أن أُطيعَ وأسْمَعا
      قِفا إنَّهُ لا بُدَّ مِن رَجْعِ نَظْرَةٍ
              يَمانِيَّةٍ شَتَّى بها الْقَوْمُ أو مَعا
(نظرة يمانية: نظرة حكيمة ثاقبة لأن الشاعرَ يمنيّ، القومُ شَتَّى: متفرقون).
      لِمُغْتَصَبٍ قد عَزَّهُ الْقَوْمُ أمْرَهُ
             حياءً يَكُفُّ الدّمْعَ أن يَتَطَلَّعا
(عَزَّه القوم: غلبوه. تطلّع الدمع: بان وظهر)
       تَبَرَّضُ عينيهِ الصبابَةُ كلّما
       دنا الليلُ اوْ أَوْفَى منَ الأرضِ مَيْفَعا
(ااميفع: المشرف من الأرض. اي المكان العالي. تبَرَّضُ: أصلُها تَتَبَرَّضُ: تاخذ وتُنقص. اي الصبابة وهي درجة قصوى من العشق تأخُذُ ماءَ عينيه شيئًا فشيئَا)
       قِفا وَدِّعا نَجْدًا وَمَن حَلَّ بالْحِمَى 
                 وَقَلَّ لِنَجْدٍ عِندَنا أنْ يُوَدَّعا
      ولما رأيتُ الْبِشْرَ قدْ حالَ دوننا
            وجالَتْ بَناتُ الشَّوْقِ يَحنُنَّ نُزَّعا
(البِشر: جبل في نجد. بنات ااشوق: دوافعُه.
ُ ودواعيه، نُزَّع: يملن ميلا شديدا الى الحنان، اللِّيت: صفحة العنقّ، الأخدع: عِر.ْق في العنُق)
         تَلَفَتُّ نَحوَ ااحَيِّ حتى وَجَدتُني
           وَجِعتُ منَ الإصغاءِ لِيتًا وأَخدَعا
(هذا البيت فيه صورة شعريّة جميلة جدًّا: الشاعر يركب دابته، ادارَ نفسه ينظر إلى بيوت قبيلته عَلّه يظفرُ بنظرة من عشيقته حتى التوت عنقه، بينما كان مُصغيًا بكليَّته ليسمع رسيسًا من محبوبته)
      بِنَفْسي تِلْكَ الأرضَ ما أطيَبَ الرُّبا
            وما أحسنَ المُصطافَ والْمُتَرَبَّعا
     فليستْ عَشِيّاتُ الْحِمَى بِرَواجِعٍ
             عَلَيْكَ ولكنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدمَعا
(بنفسي: الباء هي باء التفدية. أي أفدي بنفسي تلكَ الأرضَ.
ما أطيبَ... وما احسنَ: ما في الموضعين للتعجُّب. المصطاف والمتربَّع: المصيف المكان الذي يقضي فيه الإنسان الصيف لطيب هوائِه. المترَبَّع: مكان يقضي فيه الإنسان فصل الربيع وهو من أجمل الفصول في زُبَى نجد).
ليس لك ايها الشاعر العاشق شيءٌ يُسَرِّي عنك الهمومَ إلّا الدموع. لأن أيام السهَر في العشيات بقرب الأحبة في حِمَى القبيلة لن تعودَ ثانية.
    أَمِنْ ذِكْرِ دارٍ بِالرَّقاشَيْنِ أصبَحَتْ
         بِها عاصِفاتُ الصَّيْفِ بَدْءًا وَرُجَّعَا
    حَنَنْتَ إلى رَيّا ............................

(الرِّقاشان: جبلان في بلاد العرب)
وبعد؟
هل هناك حنينٌ أعزُّ من هذا الحنين. ذكر ابو الفرج الأصفهاني
قال: قال لي إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزدي: لو حَلَفَ حالِفٌ أنّ أحسنَ أبياتٍ قيلَتْ في الجاهلية والإسلام في الغزل والحنين، قولُ الصِّمَّةِ القُشَيْرِيِّ (حننت إلى ريّا .......) ما حَنِثَ.
 (حَنِثَ: أثِمَ). الأغاني 6: 7.
فهل بقي شكٌّ أنّ الأبياتَ للصِّمَّة ؟

     

        
    
      

      

َ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حرب الكلاب بقلم احمد محمود

حرب الكلاب طلقوا علينا الكلاب          وكشرولنا انيابهم الحرب حرب وجود      معاهم هما واذنابهم يا أمة المليار      ايه جري...