السبت، 18 أبريل 2026

رحلت بقلم عمر أحمد العلوش

( رحلت )

هناك خلف النافذة خيبة امرأة ، خدها يلتصق بزجاجها تلسعه برودة تجعله في خدر ، أبخرة أنفاسها تتكاثف على ذلك الزجاج ، ترسم بأصبعها فوق تلك الأبخرة ترسم خطوط متوازية مائلة متوالية ، سرعان ماتهطل فوق بعضها البعض كأنها ما كانت ، تحدق في شيءٍ لا يُرى وكأنها تحاول أن تجد في البعيد جواباً لم يأتِ في وقته.
ثم قالت دون أن تلتفت :
 ولو كنتَ تعلم هل كنتَ ستبقى ؟
ساد الصمت الصمت الذي يجعل كل كلمة لاحقة تبدو متأخرة
ليس صمتاً عادياً صمت الذي يُشبه اعترافاً مؤجلاً أو جرحاً لم يُسمح له أن ينزف ، صمت ولم يحاول أي منهما إنقاذه .
اقترب منها قليلاً ثم توقف ، كأن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بخطوات بل بأعوام من الفقد وسوء الفهم .
وقال :
لو كنتُ أعلم ، هل كنتُ سأرحل؟
قالها بصوتٍ مكسور كأنه لا يسألها بقدر ما يسأل ما تبقى منه .
توقف كل شيء ، حتى أنه لم يعد يعرف إن كانت لحظة أم عمر كامل توقف فيه الزمن بينهما لحظة قصيرة تلك اللحظة التي لا تُقاس بالثواني بل بما تحمله من ندم متأخر .
ـ كنتُ أظنّ أن الرحيل حلّ ........
قالها وهو يبتلع بقايا صوته .
أجابت بهدوءٍ مُرهق :
وأنا كنتُ أظن أنك ستعود قبل أن يتحول الغياب إلى نزف لا يموت .
التفتت إليه أخيراً ، لم تكن النظرة قاسية بل كانت خالية من كل شيء ، لم يعد فيها لوم ولا عتاب ولا حتى شوق فقط هدوء بارد يشبه نهاية أبدية .
تعرف؟
أضافت..... وهي تُخفض عينيها قليلاً 
المشكلة لم تكن في أنك رحلت بل في أنك تأخرت في فهم لماذا فعلت .
ابتسم ابتسامة باهتة تلك التي تأتي حين يدرك الإنسان أنه خسر كل شيء .
ولو عاد بي الوقت.......قالها ، ثم سكت.
قاطعته بنبرةٍ خفيفة :
الوقت لا يعود نحن فقط نعود لنقف أمام وجعنا بشكلٍ أوضح .
ابتعدت عن النافذة ومضت نحو الباب.......مرّت بجانبه دون أن تلامسه ، كما لو أن بينهما تاريخاً لا يجوز لمسه.
وقبل أن تغلق الباب توقفت لحظة ، ثم قالت :
أحياناً........ لا نحتاج أن نعرف ماذا كان سيحدث لو بقينا
يكفي أننا رحلنا .
خرجت ......وبقي هو لا مع الندم فقط، بل مع ذلك السؤال الذي لن يجد له جواباً أبداً لو كان يعلم… هل كان رحل 

✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حقيقة منها أوهام بقلم إسحاق قشاقش

(حقيقة منها أوهام) يا سادة ويا كرام السياسة بدها إلمام والقصة صارت معروفة والشغلة ما بحاجة لكلام بنت جبيل المألوفة وعديسة ومعها لخيام  والطي...