الاثنين، 13 يوليو 2026

حارس بحاجة إلى حراسة بقلم ماهر اللطيف

حارس بحاجة إلى حراسة

بقلم: ماهر اللطيف / تونس

كان صوت القرآن ينبعث من كل مكان بعد صلاة الفجر، باعثًا الراحة والسكينة والطمأنينة في نفس كل من يبلغه ويهز وجدانه.

توقفت أمام مقهى المدينة، أتلو مع المقرئ سورة الرحمن، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فقلت: «صدق الله العظيم»، وانفجرت باكيًا.

ولجت المقبرة، فألقيت السلام على من فيها، فارتد صدى صوتي بين القبور، يزيد المكان هيبة وسكونًا. ثم تقدمت بخطى متثاقلة حتى بلغت قبر والدي.

قمت بطقوسي اليومية؛ قرأت ما تيسر من القرآن، وذكرت الله، وأكثرت له من الدعاء. وبينما كنت أتهيأ للمغادرة، أحسست بيد تربت على كتفي، وصوت خافت يقول:

- لو جئت قبل ربع ساعة، لالتقيت بأصدقاء والدك.

التفتُّ، فإذا هو حارس المقبرة.

قلت، وقد غلبتني الدهشة:

- أصدقاء والدي؟! لكنهم جميعًا توفوا منذ سنوات!

ابتلع ريقه، وتغيّر لون وجهه، ثم قال:

- أخبروني أنهم زملاؤه في العمل، وأنهم تقاسموا معه سنوات طويلة من الحلو والمر، وأكثروا من الثناء عليه... خاصةً سالم.

ابتسمت في دهشة وقلت:

- عم سالم؟! رحمه الله... لقد توفي منذ عشرين عامًا...

لم أُكمل عبارتي، حتى رأيته يهرول نحو الباب الرئيسي للمقبرة، يجر خلفه غبار نعليه المهترئين، وهو يستغفر الله ويحوقل.

أما أنا، فبقيت في مكاني، أستعيد صورة عم سالم؛ كيف كان يستقبلني بوجه بشوش، ويقبلني بحنان، ويدس في يدي قطعة حلوى، أو بعض النقود لأشتري بها ما أشاء كلما زرت والدي في مقر عمله.

أغمضت عيني، وقلت بصوت خافت:
«اللهم ارحم والدي، واغفر له، واجزه عني خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.»

ثم التفتُّ نحو الباب الرئيسي للمقبرة، متذكرًا هرولة الحارس وهو يستغفر الله ويحوقل.

ابتسمت رغم ألمي، وقلت في نفسي:

"سبحان الله... حتى حارس المقبرة بات بحاجة إلى حراسة."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أهدابُ الشَّفق بقلم محمد قرموشه

أهدابُ الشَّفق ************* ترتجفُ جذورُ اليقينِ تحتَ وطأةِ حملٍ ثقيل، من ركودِ صمتٍ قاهر. تمتصُّ عُصارةَ أملٍ تغلغل...