الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

جــنــازَة الــنــســر بقلم جبران العشملي

✦جــنــازَة الــنــســر ✦

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

أظنّها من ترابِ الجسد؛
هذه السحابة القادمة
بعينين تشبهان شكوكَ المسيح،
أظنّها عابرةً فوق اليمن.

في الطريق، طفلةٌ
عقدتِ الحربُ حاجبيها،
وتخبّئ في حدقتين زرقاوين
سماءً لم تنتبه لها القذائف.

وعلى الرصيف الميت،
طفلٌ بلا ملامح واضحة
يناول الهواء وردةً بيد،
وبالأخرى يفتّش
عن صدى سفينةٍ غرقت.

يسأل عن وطنٍ
أضاع خريطة وجهه.

أيها الثقل المقيم،
يا سيفي الصدئ في مديات الروح،
لا تكرر الطعنة؛
لقد تعلّمتُ كيف أمشي
وحشايَ مستودعٌ
لجنازات الغياب.

واللغة المتمردة
تكتسحني كالطوفان
حين يكتشف الجدار
شقَّه الأول.

لا امرأة في انتظاري،
ولا مقهى يدفئ معطفي،
فقط طريقٌ بارد
يجرّ ظله خلفي.

احتضنيني يا تعز.

أحبكِ،
لا لأنكِ نجوتِ من الحافة،
بل لأنكِ تتقنين فنَّ الخراب
دون أن تقايضي حدائقكِ بالرماد.

رأيتُ جنديًا
يخيط أنفاسه الأخيرة
بسيجارةٍ بين الركام؛
فبدا الدخان
كأنه آخر روحٍ تتسرّب
من مدينةٍ استقالت من الحياة.

ثمانية أشهر،
وأنا أحصي تجاعيد التراب.

في العتمة،
أصغي لمركبةٍ وهمية
تعبر الذاكرة،
كأنها تبحث
عن ركابها الراحلين.

يتراكم الجليد
فوق معطفي وحاجبيّ،
لكنه يعجز عن تغطية التراب.

فالتراب
يعرف خطواتي.

أمشي فوقه
كمن يتفقد رفاته،
وأجرّ أحلامي
مثل مرساةٍ صدئة؛
لا تنقذ سفينة،
لكنها تمنع القلب
من الانزلاق.

وفي منتصف الليل،
أدخل الشارع كغريب.

لا نجوم فوق التلال المطفأة،
ولا شرفات تضيء.

فقط وجعٌ عتيق
يطوف فوق رأسي
بجناح نسرٍ جريح.

حينها أفهم:

لم تكن جنازة النسر
موتَ طائرٍ في العبث؛

كان الوطن
يُزفُّ أمامي
محمولًا على أعناق السهو.

وكنتُ أمشي في أثره،
عاجزًا عن الاختيار:

أأبكي الوطنَ المصلوب،
أم أبكي
ذلك الرجل الذي كنتُه
حين كان لي
وجهٌ وعنوان؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

❖ جبران العشملي ❖

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

جُنُونُ الْحُب بقلم خليل أبو رزق

من ديواني نبض قلبي بين الأوراق الجزء الثالث خاطرة بعنوان " جنون الحب " كلماتي وبصوتي أنا خليل أبو رزق/ فلسطين  جُنُونُ الْحُب  إ...