بقلم الكاتب: مَنْدَاس غَرِيسِي — الجزائر
ليس كلُّ ما يلمعُ في واجهةِ المعرفةِ نورًا، ولا كلُّ ما تثقلُ به السِّيَرُ الذاتيةُ من ألقابٍ وشهاداتٍ وبحوثٍ يثقلُ كفّةَ الأثر.
بينَ ما نعرفُه وما نصنعُه بما نعرفُه مسافةٌ لا تُقاسُ بعددِ الصفحات، ولا تُردمُ بكثرةِ العناوين.
هناك، حيث ينتهي الورقُ ويبدأ الواقع، يظهرُ الامتحانُ الحقيقيُّ للمعرفة.
قد تحملُ سيرةً تتسعُ لها الصفحات، ثم تقفُ أمامَ مشكلةٍ صغيرةٍ كأنك لم تحملْ في حياتك إلا الورق.
وقد يمضي آخرُ في هدوءٍ، لا تسبقه الألقاب، ولا تحيطُ به هالةُ العرض، لكنه يضعُ يدهُ على موضعِ الخلل، فيتحركُ شيءٌ كان ساكنًا.
ثمةَ علمٌ يُرى في صاحبه، وعلمٌ يُرى فيما تركه.
والفارقُ بينهما ليس قليلًا.
فالشهادةُ ليست موضعَ انتقاص، والبحثُ ليس ترفًا، واللقبُ ليس عيبًا.
كلُّها أبوابٌ إلى المعرفة، وقيمتُها في البابِ الذي تفتحه، لا في اللافتةِ التي تعلوه.
لكنَّ البابَ قد يصبحُ أحيانًا أهمَّ من البيت.
حينها يتحولُ العلمُ من وسيلةٍ إلى واجهة، ومن مسؤوليةٍ إلى زينة، ومن طريقٍ إلى غاية.
ولا يعودُ السؤالُ عمّا يمكنُ أن يضيفه صاحبه، بل عمّا يمكنُ أن يضيفه اللقبُ إلى صورته.
وهنا يبدأُ البريقُ في حجبِ الشيء الذي يفترضُ أن يكشفه.
المعرفةُ التي تستقرُّ في الذاكرةِ وحدها تشبهُ ماءً محفوظًا في إناءٍ محكم؛ لا يضيعُ، لكنه لا يروي.
أما حين تجدُ طريقَها إلى الحياة، فإنها تتغير.
تصبحُ فكرةً تمشي، وخبرةً تُصلح، ووعيًا يمنعُ خطأً، وحلًّا يخففُ عن إنسانٍ بعضَ ما أثقله.
هناك لا تحتاجُ المعرفةُ إلى أن تعرّفَ بنفسها.
يكفي أن تُرى.
المعلّمُ الذي يوقظُ في تلميذٍ سؤالًا قد لا يعرفُ أحدٌ اسمه بعد سنوات، لكن ذلك السؤالَ قد يغيّرُ حياةً كاملة.
والمهندسُ الذي يضعُ حساباته في موضعها لا يحتاجُ إلى أن يشرحَ للجسرِ مَن بناه.
والباحثُ الذي يفتحُ ثقبًا في جدارِ المجهول قد لا يسمعُ التصفيق، لكن الضوءُ الذي دخلَ من ذلك الثقبِ سيبقى.
هكذا يعملُ الأثر.
هادئًا.
لا يرفعُ صوته، ولا يطلبُ شهادةَ حضور.
ولهذا، فإن السؤالَ عن أثرِ العلم ليس انتقاصًا من العلم؛ بل هو، في جوهره، إعادةٌ للعلمِ إلى غايته.
ما قيمةُ بحثٍ لا يضيفُ إلى سؤال؟
وما قيمةُ معرفةٍ لا تُحسنُ أن ترى موضعَ الحاجة؟
وما الذي يبقى من كثرةِ ما تعلّمناه إذا لم تجعلنا معرفتُنا أقدرَ على الفهم، وأصدقَ في الحكم، وأنفعَ في العمل؟
ليست العبرةُ بكميةِ ما يدخلُ الرأس، وإنما بما يخرجُ منه إلى العالم.
فقد تمتلئُ المكتباتُ بالكتب، وتبقى الحياةُ كما هي.
وقد تكفي فكرةٌ واحدةٌ، وُضعت في مكانها الصحيح، لتغيّرَ شيئًا لا تغيّره عشراتُ الخطب.
ومن هنا يختلفُ صاحبُ المعرفةِ عن مستعرضِها.
الأولُ ينشغلُ بما ينقصُ الواقع.
والثاني قد ينشغلُ بما ينقصُ صورته أمامَ الآخرين.
الأولُ يتركُ وراءه شيئًا يمكنُ استعمالُه.
والثاني يتركُ وراءه انطباعًا.
والانطباعُ سريعُ الزوال.
أما الأثرُ فيعرفُ كيف يبقى.
لذلك ربما آنَ لنا أن نعيدَ النظرَ في بعضِ المقاييس التي اعتدناها.
ليس المهمُّ كم عنوانًا يسبقُ اسمَ الإنسان، وإنما ما الذي بقيَ بعد أن نُطقَ الاسم.
ليس المهمُّ كم صفحةً كُتبت، وإنما كم فكرةً خرجت من الصفحةِ إلى الحياة.
وليس المهمُّ أن يعرفَ الناسُ أنك تعرف، بل أن ينتفعوا بما تعرف.
فالألقابُ قد تفتحُ الأبواب، لكنها لا تصنعُ ما وراءَ الأبواب.
والشهاداتُ قد تمنحُ صاحبَها مكانًا، لكنها لا تضمنُ له قيمةً في ذلك المكان.
القيمةُ شيءٌ آخر.
تُبنى ببطء.
وقد لا يكونُ لها صوت.
الشجرةُ لا تعرضُ سيرتَها على العابرين، لكنها تمنحُهم ظلًّا.
والنبعُ لا يتحدثُ عن فضله، لكنه يتركُ الماءَ في يدِ العطشان.
والطريقُ لا يطالبُ أحدًا بمعرفةِ اسمِ من شقَّه؛ يكفي أن يصلَ الناس.
وربما كان هذا هو الفارقَ كله بين ما يُستعرضُ وما يُنجز:
الأولُ يحتاجُ إلى عينٍ تنظر.
والثاني يحتاجُ إلى حياةٍ تشهد.
وحين تخفتُ الأضواء، وتُطوى الملفات، وتستقرُّ الشهاداتُ في خزائنها، ويهدأُ التصفيق، يبقى الإنسانُ أمامَ سؤالٍ لا تمنحهُ الأكاديميةُ شهادةً للإجابةِ عنه:
ماذا تركت؟
هناك لا تنفعُ كثرةُ الصفات.
فالذي أضأتَه في عقلِ إنسانٍ، وما أصلحتَه في واقعٍ، وما سهّلتَه على طريقِ أحد، وما أضفتَه إلى المعرفةِ من معنى أو حلّ، هو الذي يواصلُ السيرَ حين يتوقفُ صاحبُه.
قد يُنسى اسمُ الباحث.
وقد تُطوى الورقة.
وقد يبهتُ الحبر.
لكنَّ فكرةً نافعةً إذا خرجت من الورقِ إلى الحياة، لا تعودُ ملكًا للورق.
تبدأُ حياةً أخرى.
وهناك، في تلك الحياةِ الأخرى، تُكتبُ السيرةُ التي لا تحتاجُ إلى أن يكتبَها صاحبُها.
فما يُكتبُ على الورقِ قد يُمحى، وما يُعلَّقُ على الجدرانِ قد يبهت؛ أما ما يُكتبُ في حياةِ الناس، فله من العمرِ ما لا تملكهُ الشهادات.
ذلك هو الأثر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق