استيقظ عمر على صرير الصنبور الجاف في شقته المتواضعة بأحواز العاصمة؛ انقطاعٌ مفاجئ للماء والكهرباء كالمعتاد، فلا قطرة يغسل بها وجهه، ولا قوارير ماء معدني في الدكان المقابل بذريعة "أزمة تعبئة ونقص في الإمدادات". نزل إلى الشارع فاستقبلته أكوام القمامة المتراكمة على قارعة الطريق وروائحها الخانقة التي غدت جزءاً من المشهد اليومي المألوف، ليمر بجانب جاره الذي يقود سيارة فارهة اشتراها بقروض خانقة لمجرد المباهاة والتفاخر الأجوف. ابتسم له الجار بنفاقٍ مفرط قائلاً: "صباح الخير يا باهي، ربي يحفظك"، وهو ذاته من ألقى كيس قمامة من نافذته قبل دقائق معدودات.
قصد المستشفى العمومي لتوفير دواء الضغط لوالدته المسنة، فوجد الطوابير تمتد كالأفاعي في ممرات خانقة، وموظفين يتثاءبون بلامبالاة وراء نوافذ مغلقة، ليتلقى بعد ساعات الانتظار الردّ الجاهز ببرود: "الدواء مقطوع، ابحث عنه في الصيدليات الخاصة". وحين اضطر للجوء إلى عيادة طبيب خاص، صُدم بتسعيرة كشف تكوي الجيوب واستغلالٍ فجّ لضعف أمه الصحي؛ إذ انهالت عليه قائمة تحاليل لا حصر لها وُجه بها مباشرة إلى مختبر يملكه قريب الطبيب، في منظومة ابتزاز متكاملة مغلفة بابتسامة مهذبة.
مع حلول المساء، صادف في حيّه قافلة خيرية استعراضية لأشخاص ينشرون صورهم على مواقع التواصل وهم يوزعون الصدقات، ملقين للمعوزين أكياساً تحوي أسمالاً بالية وبقايا طعام شارف على العفن، وكأن الفقراء حاويات لفضلاتهم، بينما تتبارى ألسنتهم أمام الكاميرات بعبارات التقوى والرياء مدعين أنها "صدقة من فضل الله". مشهدٌ لا يختلف كثيراً عما تمارسه حتى العائلات متوسطة الحال خلف الأبواب المغلقة؛ يقتسمون فيما بينهم ما صلح من ملابس وأحذية، ثم يقذفون بالرث البالي إلى المحتاجين تحت لافتة "التكافل والإحسان".
جلس عمر في المقهى محتقناً، وحين انفجر غضباً أمام جلسائه واصفاً هذا العبث والغلاء الذي يخنق الجميع، قاطعه أحدهم وهو ينفث دخان سيجارته قائلاً ببرود: "أنت سوداوي ولا ترى إلا النصف الفارغ... تفاءل خيراً فالبلاد تسير". نظر إليهم عمر بصمت ثقيل، مدركاً أن أشد ما يوجع في هذا الانحدار ليس غياب الخدمات ولا شح الدواء، بل ذلك التواطؤ الجمعي على التزييف والتفنن في إنكار الجرح المفتوح.
أصبح يدور في حلقة مفرغة؛ حاول مجاراة الواقع ومواكبة أحداثه فما استطاع، وحين آثر العزلة وجد نفسه يفارق نبض الحياة كطريدٍ في جحره، ليغدو كنبيٍّ لنفسه بلا عرشٍ ولا أتباع، تطارده الحقيقة المرة التي أدركها أخيراً: لم يضق الوطن بأرضه، بل ضاق بأهله حين استمرؤوا الهوان. مضى وهو يتساءل بمرارة: «دلّونا بنزاهة على شيء جميل في هذه الأرجاء! أم هل اعتدنا الخراب حقاً وصرنا نتقن إنكاره؟».
نهض والسكوت ينهش روحه، عاقداً العزم على العودة إلى مهجره، قاطعاً صلته بحلمٍ قديم وترابٍ لم يجنِ منه سوى خيبات الندم وجراحٍ ستظل تنزف لبعده عمن يحب. أدرك أن هذا الوطن لم يعد يتسع لروحه، وأن جسور التفاهم بينه وبين هذا الواقع قد تهدمت تماماً؛ فالناس من حوله مستسلمون لوضعهم، متأقلمون مع غبائهم، لا يملكون ملاذاً سواه، بينما بات هو "المخطئ" في نظرهم لصرامة مبادئه وعجزه عن مسايرة الزيف. حزم حقائبه وتزود بمرارته، مقسماً أمام أهله وذويه أن غيابه هذه المرة سيكون بلا رجعة.
بقلم: عبد الفتاح الطياري — تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق