الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

مدارات الوفاء المكنون بقلم محمد القحطاني

مدارات الوفاء المكنون

بقلم ✍ محمد القحطاني

كنت أظنّ المسافات وهماً، حتّى استيقظت على حقيقة أنّ الغياب جدار قدريّ يرتفع بيننا، ليحجب عن عيني وجهاً كان هو كلّ النظر.

منذ رحلت، والتيتم يسكن جهاتي الأربع؛ الشوق ليس مشاعراً عابرة، بل هو طاحونة شرسة تعتصر أحشاء المريد، وتترك القلب معلقاً بين الصبر والانفطار.

 لقد أخذ السهر مكانه الأبديّ على أهدابي، وصارت الأجفان منافذ مغلقة في وجه النوم، تداري لوعة مكتومة تكبر كلّما امتدّ الحنين.

في ساعات الذهول تلك، أمدّ حبل السؤال إلى عمق السماء، أستجوب نجوم الليل عن مخبئك، فيأتيني الجواب كأعذب ما تكون النبوءات: "تلفت إلى داخلك، فالقمر الذي تبحث عنه يعتكف بين ضلوعك".

يا أيّها الراحل الذي اختزل الكون في ملامحه، حتّى تملّك الحسّ والبصر؛ أنت الحقيقة الحيّة التي خلّفتها وراءك، وما سواك في عيني ليس إلّا ظلالاً باهتة وصوراً لعابرين لا يشبهون البشر.

كيف للمسافة أن تمحو هوانا بعدما تغلغل في نسيج الروح وكبُر حتّى صار هو نفسه الكون والأوردة؟ فلتنحنِ مقادير النأي بما شاءت، فلنا نقاء السريرة وحجّة الصدق الباقية.. وبهما سيظلّ هذا الوفاء المكنون منتصراً رغم فلسفة الغياب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

إرحمي قلبي بقلم سيد الحلواني

إرحمي قلبي!!! لم يبق شئ غير حُبك أشتهيه فهل يُنكر النهر عاشقيه وصخب الليل مازال يُدوي فهل أنكر هو الآخر مريديه والحلم الذي...