"المَوْتُ لَيْسَ نِهَايَةَ كُلِّ شَيْءٍ... لَكِنَّهُ بِالتَّأْكِيدِ نِهَايَةُ الرَّاتِبِ الشَّهْرِيِّ."
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
الوَرَقَةُ قَبْلَ الأَخِيرَةِ
لا أَحَدَ يَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ صَابِرُ بْنُ أَيُّوبَ يَحْذِفُ الأَشْيَاءَ مِنْ حَيَاتِهِ. فِي البِدَايَةِ حَذَفَ السَّفَرَ، وَأَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّ المُدُنَ تَتَشَابَهُ، وَأَنَّ الخَرَائِطَ مُجَرَّدُ أَوْهَامٍ مُلَوَّنَةٍ. ثُمَّ حَذَفَ شِرَاءَ الكُتُبِ، وَاكْتَفَى بِإِعَادَةِ قِرَاءَةِ مَا يَمْلِكُ، حَتَّى حَفِظَ عِبَارَاتٍ كَامِلَةً دُونَ أَنْ يَقْصِدَ. وَبَعْدَهَا حَذَفَ الفَاكِهَةَ مِنْ قَائِمَةِ السُّوقِ، فَصَارَتِ المَوَاسِمُ تَمُرُّ أَمَامَ نَافِذَتِهِ كَأَنَّهَا تَخُصُّ شَعْبًا آخَرَ.
كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهُدُوءِ بُسْتَانِيٍّ يَقُصُّ الأَغْصَانَ اليَابِسَةَ، دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ، بَعْدَ أَعْوَامٍ، لَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا مَا يَكْفِي لِتُسَمَّى شَجَرَةً.
عَلَى الجِدَارِ المُقَابِلِ لِمَكْتَبِهِ، كَانَ يَتَدَلَّى تَقْوِيمٌ وَرَقِيٌّ رَخِيصٌ. كُلَّ صَبَاحٍ، يَقِفُ أَمَامَهُ، يَنْزِعُ الوَرَقَةَ بِرِفْقٍ، وَيُلْقِيهَا فِي السَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ تَحْتَ الجِدَارِ. كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنْ الزَّمَنِ حِمْلَهُ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ قَطُّ إِلَى أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ الَّذِي يُخَفِّفُ حِمْلَهُ مِنْهُ.
اعْتَادَ زُمَلَاؤُهُ أَنْ يَجِدُوهُ آخِرَ مَنْ يُغَادِرُ الدَّائِرَةَ. لَا لِأَنَّهُ أَكْثَرُهُمْ إِخْلَاصًا، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَجِّلُ العَوْدَةَ إِلَى قَائِمَةٍ أُخْرَى مِنَ الحِسَابَاتِ؛ إِيجَارٌ، وَدَوَاءٌ، وَكَهْرَبَاءٌ، وَمَدْرَسَةٌ، وَطَبِيبٌ يَرْفَعُ أَجْرَهُ كُلَّمَا ازْدَادَ المَرَضُ تَوَاضُعًا.
حِينَ يَسْأَلُهُ أَحَدُهُمْ:
ـ كَيْفَ حَالُكَ يَا صَابِرُ؟
يَرْفَعُ كَتِفَيْهِ وَيَبْتَسِمُ:
ـ مَا زِلْتُ أَصْلُحُ لِلْحَيَاةِ... وَالحَيَاةُ مَا زَالَتْ تُصْلِحُ لِي بَعْضَ المَقَالِبِ.
فَيَضِجُّ المَكْتَبُ بِالضَّحِكِ، أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَهُوَ يَضْحَكُ مَعَهُمْ... أَمْ يَخْتَبِئُ خَلْفَ ضَحِكِهِمْ.
لَمْ يَكُنِ الفَقْرُ أَكْثَرَ مَا يَخْشَاهُ، بَلْ كَانَ يَخْشَى الِاعْتِيَادَ. فَالْإِنْسَانُ، حِينَ يَعْتَادُ خُسْرَانَ الأَشْيَاءِ، يَتَوَقَّفُ عَنْ مُلَاحَظَةِ أَنَّهَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْهُ. فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتَغْنَى عَنْ شِرَاءِ الكُتُبِ، وَفِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ صَارَتِ الفَاكِهَةُ ضَيْفًا مَوْسِمِيًّا، ثُمَّ أُجِّلَتْ زِيَارَةُ طَبِيبِ الأَسْنَانِ، ثُمَّ اخْتَفَتْ رِحْلَةُ الجُمُعَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ، ثُمَّ صَارَ يُؤَجِّلُ شِرَاءَ مِعْطَفٍ جَدِيدٍ كُلَّ شِتَاءٍ، حَتَّى حَفِظَ الشِّتَاءُ هَيْئَتَهُ القَدِيمَةَ.
لَمْ يَكُنْ يَحْذِفُ الأَشْيَاءَ مِنْ حَيَاتِهِ... بَلْ كَانَتِ الحَيَاةُ تُعِيدُ تَحْرِيرَهُ، سَطْرًا بَعْدَ سَطْرٍ.
ذَاتَ مَسَاءٍ، كَانَ حَفِيدُهُ يُرَاقِبُهُ وَهُوَ يَمْزِقُ وَرَقَةَ التَّقْوِيمِ.
ـ جَدِّي... لِمَاذَا تُمَزِّقُ الأَيَّامَ؟
ابْتَسَمَ، وَوَضَعَ الوَرَقَةَ فِي يَدِ الصَّغِيرِ.
ـ حَتَّى لَا يَتَرَاكَمَ الزَّمَنُ عَلَيْنَا.
رَكَضَ الطِّفْلُ ضَاحِكًا، وَبَقِيَ صَابِرٌ أَمَامَ الجِدَارِ، يَمُرُّ بِأَصَابِعِهِ عَلَى الوَرَقَةِ المُمَزَّقَةِ، ثُمَّ هَمَسَ:
ـ لَكِنَّهُ يَتَرَاكَمُ...
فِي نِهَايَةِ كُلِّ شَهْرٍ، يَصِلُ الرَّاتِبُ فِي مَوْعِدِهِ، كَمُوَظَّفٍ لَا يَتَأَخَّرُ، أَمَّا الأَسْعَارُ فَتَصِلُ قَبْلَهُ. يَنْظُرُ إِلَى كَشْفِ الحِسَابِ كَمَا يَنْظُرُ المُسَافِرُ إِلَى مَحَطَّةٍ غَادَرَهَا القِطَارُ قَبْلَ وُصُولِهِ. لَا يَغْضَبُ، وَلَا يَحْتَجُّ، بَلْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ مَا تَبَقَّى مِنَ الشَّهْرِ، كَمَا يُعِيدُ طِفْلٌ تَرْكِيبَ لُعْبَةٍ يَنْقُصُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ جُزْءٌ جَدِيدٌ.
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، انْقَطَعَتِ الكَهْرَبَاءُ. أَشْعَلَ شَمْعَةً، وَجَلَسَ يُرَاقِبُ ظِلَّهَا المُرْتَجِفَ عَلَى الجِدَارِ. خَطَرَ لَهُ أَنَّ بَعْضَ البَشَرِ يَقْضُونَ أَعْمَارَهُمْ وَهُمْ يُدَافِعُونَ عَنْ ظِلَالِهِمْ، لِأَنَّ الأَيَّامَ اسْتَهْلَكَتْ أَجْسَادَهُمْ. ابْتَسَمَ، وَقَالَ فِي سِرِّهِ:
«يَبْدُو أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَأْخُذُ مِنَّا الأَشْيَاءَ دُفْعَةً وَاحِدَةً... إِنَّهَا مُؤَدَّبَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.»
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَقَفَ أَمَامَ التَّقْوِيمِ. لَمْ يَبْقَ فِيهِ سِوَى...
الوَرَقَةُ قَبْلَ الأَخِيرَةِ.
ظَلَّ يَتَأَمَّلُهَا طَوِيلًا.
لِلْمَرَّةِ الأُولَى...
لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا.
أَدَارَ ظَهْرَهُ، وَمَضَى.
شَعَرَ أَنَّ بَعْضَ الأَوْرَاقِ، إِذَا مُزِّقَتْ، لَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا يَوْمٌ...
بَلْ سَيَنْقُصُ مِنْهَا إِنْسَانٌ.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
14.أغسطس.2026م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق