لم يمرّ يومٌ دون أن أختلف فيه مع أبنائي حول تكديسي لأشياء تبدو لهم بلا نفع، بينما كان جوابي المعتاد والحاضر دومًا: "سيأتي يومٌ وتصلح فيه".
وذات يوم، وبينما كنا نعمل جميعًا على صيانة غرفة الطعام، احتجنا إلى زرّ الإشعال الذاتي للفرن، إذ كانت القطعة الداخلية مكسورة في هيكله. فككنا الفرن وحملنا بقايا الزرّ المحطّم، وجُبنا المتاجر المتخصصة عازمين على إيجاد بديل، لكن دون جدوى؛ لقد انقطعت القطعة من الأسواق.
جالت بخاطري حينها فكرةٌ فنّدتها التجارب: «ربما الإنسان، عندما يقترب من النهايات، يبدأ في البحث عن البدايات».
عدنا أدراجنا إلى مستودعي، حيث ترقد أكوام أشيائي القديمة. وبعد بحث مضنٍ، استسلم أبنائي للملل وانسحبوا، وبقيت وحدي أنبش في ذلك الركام حتى لمعت القطعة بين يدي فجأة. صحتُ من فرط الفرح: "لقد وجدتها!"، فضحك أحدهما ساخرًا وقال: "كل هذا إهدار للوقت"، بينما قال الآخر بابتسامة: "بل لقد اقتصدنا ثمن فرن جديد!".
ذكّرني هذا الموقف بذلك الخياط العجوز في زقاقنا القديم؛ كان رجلاً غريب الأطوار في تعامله مع الزمن، يحتفظ في ورشته بعشرات القوالب الخشبية لملابس زبائن ماتوا أو هجروا الحي منذ عقود. كان يمسك بالقالب المتآكل، يمرر يده فوق خشبه الجاف، ثم يقص القماش الجديد بعناية بالغة على مقاسات أجساد لم تعد موجودة في هذا العالم.
سألته ذات ظهيرة، وأنا أراه يفرغ طاقته في حياكة ثوب لقالب رجل رحل قبل عشرين سنة: "لمن تخيط هذا يا عم، وأصحابه قد غابوا؟".
رمقني من فوق نظارته الصغيرة، وقال بثقة مفرطة: "القالب يجد الجسد، وإن لم يجده، فعلى الجسد القادم أن يضيق أو يتسع ليناسبه!".
كدت أضحك حينها من منطقه المعكوس، وظننته ضربًا من خَرَف الصنعة أو عناد العزلة. لكنني، مع مرور الأيام وتأمل أحوالنا، أدركت أننا جميعًا نمارس خياطة ذلك العجوز نفسها مع الحياة؛ نحمل في رؤوسنا قوالب جاهزة، أفكارًا مسبقة، وتصورات صلبة عن كيف ينبغي للواقع أن يكون. وحين تصطدم قوالبنا بعالم متحرك لا يهدأ، نرفض تعديل المقاسات، بل نصرّ على قصّ الواقع وتشذيب أطرافه ليدخل عنوة في قوالبنا الميتة، منتظرين من الحياة أن تنحني لمنطقنا، تمامًا كما كان خياطنا ينتظر من الأجساد الحية أن تلائم خشبًا عتيقًا.
ومن الآن وحتى نهاية الأيام.. سأظل مقتنعًا بأن وسط كل صعوبة تكمن فرصة، وبأن الود الصادق ينجلي ويشتد عوده في لحظات الانهيار.
بقلمي: عبد الفتاح الطياري — تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق