الاثنين، 7 سبتمبر 2026

اعراس الفناء بقلم عبدالفتاح الطياري

اعراس الفناء
لم يكن موت الشيخ عمران حدثاً استثنائياً في تلك الخربة المهجورة، بل كان إشارة البدء لوليمةٍ معلّقة بين التراب والهواء. حين انحدرت الشمس نحو المغيب، كان الجسد العجوز قد كفّ تماماً عن المقاومة، مسجىً فوق حصيره البالي، بينما جلس عند قدميه "عطية"؛ صبيٌ شاحب الملامح لا يملك من أمره سوى مراقبة الروح وهي تنسحب ببطء، مفسحةً المجال لأولئك الذين يتربّصون بانكسار الأنفاس لتبدأ دورتهم. كان سكون الغرفة يوحي بنهايةٍ قاطعة، لكن ما يموج تحت السطح كان احتفالاً صاخباً لا تدركه إلا حواس الجائعين.
انفلتت من شقوق الجدار الطيني مواكب "خنافس الدفن" بأغمادها السوداء اللامعة، تتقدم بخطى واثقة كأنها ترتدي حُللها لأعظم المحافل؛ مدفوعةً بشغفٍ غريزي يرى في هذا الجمود ذروة الخصب. وتقاطرت أسراب "ذباب اللحم" بأجنحتها الزجاجية المرتعشة، تدور في حلقات متهللة وترسل طنيناً رتيباً أشبه بزغاريد حادة، تُبشّر بيضها المكنون بدفءٍ جديد ووفرة لا تعرف القحط.
على الأرض الترابية، احتشدت فيالق "النمل الناري" ترسم مساراتٍ متقاطعة كأشرطة زينة نُسجت على عجل. لم تكن تلك الجيوش تقتحم المشهد لتبكي الراحل، بل لتنثر حوله صخب البقاء؛ فتتخاطف جثث فراشات ذبلت عند العتبة، وتجر جراداً أنهكه الجفاف، وتشق من أطراف الثوب الرث دروباً سرية لتشيّد ممالكها في قلب العتمة. كل ذرة تراب كانت تهتز تحت وطأة زحفٍ نهم، كأن الموت لم يأتِ ليسدل الستار، بل ليجرد الجسد من وقاره ويوزعه هباتٍ على الجياع.
جلس الصبي في الركن البعيد، تلمع في عينيه دهشة مريرة وهو يشهد انقلاب المأساة إلى عرسٍ مكتمل الأركان. لا جنائز في شريعة التراب؛ فقط كائنات صغيرة تُبعث من جحورها لتزف نفسها إلى الوجود، تقتات على الغياب لترسم بداياتها، وتغرس في ثنايا الفناء بذار حياةٍ ستطير مع أول خيط من شمس الغد.
نهض وتقدم بخطوات حذرة، كمن يخشى تدنيس طقسٍ مهيب لا يملكه البشر. جثا على ركبتيه، ومدّ كفّه المرتجفة نحو موكب النمل المتراص، لا ليعترضه، بل ليلتقط جرادة نافقة ضلّت طريقها تحت قدمه، فوضعها برفق على حافة المسار المزدحم، مساهماً بيده في إطعام هذا العرس الغريب.
ألقى نظرة أخيرة على وجه الراحل الذي أخذ يتلاشى تدريجياً تحت ظلال الأجنحة ووطء الأقدام الدقيقة، ثم استدار نحو الباب وخطا إلى الخارج تاركاً العتمة تكتمل.
هل كان ما فعله خيانةً لحرمة الموت، أم فهماً مبكراً لقانون الطبيعة التي لا تهب الحياة لأحد إلا إذا استردتها من آخر؟
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

لسنا الصًَفا نحنُ التُّرابُ الطًاهرُ بقلم نادر أحمد طيبة

لسنا الصًَفا نحنُ التُّرابُ الطًاهرُ إذما حُرقنا فاحَ طيبٌ عاطرُ كم قد طغى الظًُلًَام في أحقادهم وفرَت سيوفٌ لحمَنا وخناجرُ ورسَت...