الجمعة، 4 سبتمبر 2026

حِينَ يَبْيَضُّ السُّورُ بقلم مَنْدَاس غَرِيسِي

النّص : الْقَرمَزِيَّةُ 
حِينَ يَبْيَضُّ السُّورُ
بقلم الشاعر: مَنْدَاس غَرِيسِي — الجزائر
مِنْ غَرْبِ الْأَرْضِ
جَاءَتْ...
لَا تُسْمَعُ لَهَا خُطًى،
وَلَا يَسْبِقُهَا غُبَارٌ،
وَلَكِنَّ الْخُضْرَةَ
كَانَتْ تَعْرِفُهَا.
نَقْطَةٌ بَيْضَاءُ...
ثُمَّ أُخْتُهَا،
ثُمَّ أَرْضٌ مِنَ الْبَيَاضِ
تَزْحَفُ فَوْقَ أَخْضَرِ الْبَرِّيَّةِ.
لَيْسَ ذَلِكَ ثَلْجًا،
فَالسَّمَاءُ بَعِيدَةٌ،
وَلَيْسَ طَلًّاء،
فَالصَّبَاحُ لَمْ يَغْسِلْ وَجْهَهُ بَعْدُ.
إِنَّهَا الْقَرْمَزِيَّةُ...
تَأْكُلُ فِي صَمْتٍ،
وَتَتْرُكُ خَلْفَهَا
تِينًَا شَوْكِيًّا
كَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً
مَرَّتْ عَلَيْهِ بِالطِّلَاءِ.
وَكُلَّمَا اتَّسَعَ الْبَيَاضُ
ضَاقَتْ فِي الْعَيْنِ
مَسَاحَةُ الْخُضْرَةِ.
كَانَ التِّينُ الشَّوْكِيُّ
يَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الْحَقْلِ
كَجُنْدِيٍّ لَا يَحْمِلُ سَيْفًا،
وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَ الشَّوْكِ
لُغَةً لِلْحِرَاسَةِ.
لَمْ نَنْتَبِهْ...
كُنَّا نَرَاهُ
نَبَاتًا فِي الْهَامِشِ،
وَكَانَ هُوَ
يَقِفُ فِي الْهَامِشِ
بَيْنَ الْأَخْضَرِ وَاللَّهَبِ.
حَتَّى جَاءَ الْبَيَاضُ...
فَسَقَطَ شَيْءٌ
لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ.
لَيْسَتْ وَرَقَةً،
وَلَا ثَمَرَةً،
وَلَا غُصْنًا...
إِنَّهَا مَسَافَةٌ
كَانَتْ تَفْصِلُ
بَيْنَ النَّارِ
وَبَيْنَ مَا نُحِبُّ.
وَفِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى
كَانَتِ النَّارُ
تَنْتَظِرُ صَمْتًا
لَا يَشْبَهُ الصَّمْتَ.
فَالنَّارُ لَا تَحْتَاجُ
إِلَى طَرِيقٍ كَبِيرٍ؛
يَكْفِيهَا
أَنْ يَضِيقَ الْحَارِسُ.
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ
كَانَ السُّورُ الْأَخْضَرُ
يَفْقِدُ شَوْكَةً،
وَتَكْسِبُ الْأَرْضُ
لَوْنًا أَبْيَضَ.
وَمَا أَغْرَبَ الْأَلْوَانَ
حِينَ تَكُونُ
أَوَّلَ النُّذُرِ.
يَا أَرْضَ الْجَزَائِرِ...
كَمْ مِنْ شَيْءٍ
نَمُرُّ بِجَانِبِهِ
وَنَحْسَبُهُ عَابِرًا،
وَهُوَ فِي الْخَفَاءِ
يَحْرُسُ شَيْئًا
لَا نَرَاهُ؟
وَكَمْ مِنْ سُورٍ
لَا نَعْرِفُ قِيمَتَهُ
إِلَّا حِينَ يَسْقُطُ؟
الْقَرْمَزِيَّةُ لَا تُحْدِثُ ضَجِيجًا...
تَكْفِيهَا
بُقْعَةٌ بَيْضَاءُ
فِي طَرَفِ نَبْتَةٍ،
ثُمَّ تَتْرُكُ لِلزَّمَنِ
بَقِيَّةَ الْحِكَايَةِ.
وَحِينَ يَأْتِي الصَّيْفُ،
وَتَجِفُّ الرِّيحُ،
وَيَسْتَيْقِظُ اللَّمَعَانُ
فِي عَيْنِ اللَّـهَبِ...
قَدْ نَفْهَمُ،
مُتَأَخِّرِينَ،
أَنَّ ذَلِكَ الْبَيَاضَ
لَمْ يَكُنْ طَلَاءً...
كَانَ
فَرَاغًا
يَكْبُرُ.
وَرُبَّمَا...
حِينَ نَلْتَفِتُ
نَحْوَ السُّورِ،
لَا نَجِدُ سُورًا.
نَجِدُ
أَثَرَ شَوْكٍ
فِي الرَّمَادِ.
وَعِنْدَهَا
لَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ:
مَنْ أَشْعَلَ النَّارَ؟
بَلْ:
مَتَى
تَرَكْنَا الْحَارِسَ
يَبْيَضُّ
وَنَحْنُ نَنْظُرُ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

خبروني يا أهل النهى بقلم بشير الوم إبراهيم

💙 ⚘️ خبروني يا أهل النهى ⚘️ 💙 هحران      حتى المسرة غدت جلمود صخر        لا يفتر لدى الأحباب فوهو        إذ قالت للأثير في جفاء هذا  ...