الأحد، 5 يوليو 2026

كيمياء البشر ق.ق بقلم طارق الحلوانى

كيمياء البشر ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كانت الحصة الأخيرة قبل الظهر.
ضوء الشمس الأبيض يتسلل من النوافذ الطويلة، والمراوح تدور بكسل، بينما كانت عيوننا معلقة بالساعة أكثر من السبورة. أغلق بعض الطلاب دفاترهم في هدوء، واستسلم آخرون للشرود. لم يكن أحد ينتظر من حصة الكيمياء أكثر من جرس النهاية.
دخل الأستاذ، وضع حقيبته على المكتب، ثم كتب على السبورة:
كيمياء
التفت إلينا مبتسما وقال:
- حد فيكم بيحب الكيمياء؟
ساد صمت قصير.
ثم جاء صوت من آخر الفصل:
- بنذاكرها يا أستاذ.. لكن نحبها؟ دي صعبة.
ضحك الفصل.
أما الأستاذ فاكتفى بابتسامة هادئة وقال:
- دي كانت إجابتي.. من تلاتين سنة.
ترك الطباشير، وأسند يده إلى المكتب.
- كنت بحلم أدخل كلية من كليات القطاع الطبي. لكن المجموع كان له رأي تاني، ودخلت كلية العلوم وأنا مقتنع إنني دخلت المكان الغلط. أول محاضرة حضرتها، كنت قاعد في آخر المدرج، لا سامع نص الكلام، ولا فارق معايا غير إن اليوم يخلص.
سكت لحظة، ثم قال:
- لكن محاضرة واحدة.. غيرت حياتي.
-دخل أستاذ الكيمياء غير العضوية، ولم يفتح الكتاب.
أشار إلى الجدول الدوري المعلق على الحائط وقال:
- أوعوا تحفظوا الجدول... افهموا ليه كل عنصر قاعد في مكانه.
ثم سأل:
- ليه الصوديوم هنا؟ وليه الذهب هناك؟
لم يجب أحد.
ابتسم وقال:
- لأن لكل عنصر طبيعته.. ومكانه نتيجة لطبيعته.
لا أعرف لماذا رفعت رأسي في تلك اللحظة.
نظرت إلى الجدول.
ثم نظرت إلى المدرج.
طالب لا يسكت.
وآخر لا يتكلم إلا إذا سُئل.
طالبة يلتف حولها الجميع.
وأخرى تجلس بجوار النافذة، هادئة، لا تلفت الانتباه، لكنها لا تخطئ إجابة.
ابتسمت دون أن أشعر.
وقلت في نفسي:
"حتى البشر.. لكل واحد خواصه."
خرجت من المحاضرة، لكن الفكرة خرجت معي.
في البيت، كانت أمي تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، فتطفئ غضب أبي بكلمة واحدة.
وفي الشارع، كان البقال يستقبل كل زبون بطريقة مختلفة، كأنه يعرف مسبقا كيف يتعامل مع كل واحد.
حتى أصدقائي..
كنت أكتشف أن لكل واحد منهم ما يشبه "طبيعته" التي لا تخطئها العين.
لم أعد أرى الجدول الدوري على ورق..
صرت أراه بين الناس.
بعدها دخلنا المعمل.
كان أول يوم أرتدي فيه المعطف الأبيض، وأول مرة أمسك أنبوبة اختبار.
وقفنا في مجموعات.
وكانت شريكتي في التجربة هي الفتاة الهادئة نفسها.
ناولتني القطارة، ثم انشغلت بترتيب الأدوات.
وحين هممت بإضافة المحلول، أمسكت معصمي برفق.
- استنى..
ثم أشارت إلى التدريج المرسوم على القطارة.
- نقطة واحدة زيادة.. وهنعيد التجربة من أولها.
ضحكت في ارتباك.
قالت ببساطة:
- هو إنت مستعجل على إيه؟
أضافت هي القطرة، ثم ناولتني الأنبوبة.
نجحت التجربة.
بعدها، كلما استعصت فكرة، كنت أسألها.
كانت تشرح في دقائق، ثم تغلق كشكولها وتمضي.
وأعود أنا إلى الكتاب.
في البداية..
كنت أراجع لأتأكد من صحة كلامها.
وبعد أسابيع..
اكتشفت أنني لم أعد أقرأ من أجلها.
بل من أجل الأسئلة التي أيقظتها داخلي.
لأول مرة، أصبحت أفتح الكتاب قبل المحاضرة.
ولأول مرة، شعرت أن الكيمياء ليست مادة تُحفظ، بل طريقة لفهم النظام الذي يمضي به هذا الكون.
مرت السنوات..
وأصبحت أنا مدرسا للكيمياء.
رفع الأستاذ عينيه إلينا.
مر ببصره على الوجوه واحدًا واحدا.
ثم ابتسم..
كأنه لمح الشاب الذي كانه يوما، جالسا في آخر الصف، ينتظر انتهاء الحصة قبل أن تبدأ.
قال بهدوء:
- الزميلة دي خرجت من حياتي بعد التخرج.. لكن اللي فضل منها، مش اسمها.. جملة واحدة قالتها في المعمل.
أخذ الطباشير، وكتب على السبورة:
"نقطة واحدة.. قد تغير النتيجة كلها.
رن الجرس.
ولأول مرة..
لم يتحرك أحد.
جمع الأستاذ كتابه، ثم مسح كلمة الكيمياء من على السبورة ببطء.
اختفت الكلمة...
وبقي أثر الطباشير.
فتح الباب، وقبل أن يخرج قال:
- بكرة نبدأ أول درس.
خرج.
ورفعت عيني إلى الجدول الدوري المعلق فوق السبورة.
كان في مكانه..
أما أنا..
فلم أعد الطالب الذي دخل هذه الحصة.

طارق الحلوانى 
يونيو٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اجلس وحدي في فراغ الروح بقلم عدنان العيسى الدلكي

اجلس وحدي في فراغ الروح ومن فوقي نجوم ليس فيها جروح اعاتب أفكار تائهه  داخل ثنايا العقل في هدوء السماء الصامته  ونيزك هناك في الأفق جرح مشاع...