كنتُ
في الصفِّ الأول...
لم أكنْ
أحملُ في حقيبتي
غيرَ دفاترَ صغيرة،
وقلبًا
تعلَّمَ الحبَّ
قبل أن يتعلَّمَ جدولَ الضرب.
كان عمري
ستَّ سنواتٍ فقط،
وكنتُ أركضُ
إلى المدرسةِ
كأنَّ الريحَ
تمشي في قدميَّ،
لأنَّ هناك...
كانت تنتظرني
طفلةٌ
اسمُها
مليكة.
عرفتُها
قبل يومين،
لكنَّ قلبي
كان يظنُّ
أنَّ العمرَ كلَّه
يسكنُ عينيها.
وعندَ عبوري
الشارع...
جاءتْ سيارةٌ
أسرعَ من أحلامي،
وسقطتُ...
ثم...
دخلتُ
في إغماءةٍ
طويلةٍ
حتى نسيتُ
عددَ الفصول
التي مرَّت
فوقَ وجهي.
وحينَ فتحتُ عينيَّ...
كان في المرايا
رجلٌ
لا أعرفه.
قالوا:
لقد بلغتَ الخمسين.
فصرختُ
بأوَّلِ كلمةٍ
اين مليكة
مليكة!
نظروا إليَّ
بدهشةٍ،
كأنني
أنطقُ
اسمَ نجمةٍ
لا تراها
عيونُ البشر.
سألتُهم:
أين أمي؟
أين أبي؟
وأين إخوتي؟
كان الصمتُ
أثقلَ
من الجواب.
ثم ناولوني
مرآةً...
فرأيتُ
أنَّ الزمنَ
سرقَ الطفلَ
وأبقى
ملامحَه
مختبئةً
في العينين.
أخبرتني المرآةُ
عن كلِّ شيء...
عن السنينِ
التي ضاعت،
عن الشيبِ
الذي نبتَ
دون إذني،
عن الوجوهِ
التي رحلت،
لكنها...
لم تخبرني
أين اختبأت
مليكة.
لأنَّ سرَّها
لم يكنْ يعرفه
إلا الله...
وأنا.
خرجتُ
أبحثُ عنها،
أفتِّشُ
في الطرقاتِ
عن ضحكةٍ
تركتها
طفلةٌ
قبل أربعٍ وأربعين عامًا.
وفي مساءٍ
كانت الشمسُ
تطوي آخرَ خيوطها،
رأيتُ طفلةً...
كانت تشبهها
حدَّ الدهشة.
الابتسامةُ ذاتها،
والعينانِ
اللتانِ
كانتا
تسرقانِ
ربيعي.
اقتربتُ منها
وقلبي
يرتجفُ
كطفلٍ
استعادَ نبضَه.
قلتُ:
يا صغيرتي...
أيكونُ اسمُكِ
مليكة؟
ابتسمتْ...
وقالتْ
ببراءةِ الندى:
لا...
ذلكَ
اسمُ أمِّي.
عندها...
شعرتُ
أنَّ الأربعة والأربعينَ عامًا
انكسرتْ
دفعةً واحدة.
وعرفتُ...
أنَّ الحبَّ
لا يموتُ،
بل يكبرُ
في هيئةِ
طفلةٍ
تحملُ
ملامحَ أمِّها،
وأنَّ بعضَ المواعيدِ
يؤجلها القدرُ
عقودًا...
لكي يخبرنا
أنَّ القلوبَ
إذا صدقتْ،
فإنها
تصلُ
ولو بعد
عمرٍ كامل.
ومضيتُ...
وكانتْ
تسبقني
لهفتي
إلى بابِها.
طرقتُ...
ففتحتْ
امرأةٌ
يحرسُ الشيبُ
خصلاتِها،
لكنَّ عينيها...
كانتا
هما العينينِ
اللَّتينِ
خبأتُهما
في طفولتي.
نظرتْ إليَّ...
طويلًا...
ثم همستْ:
أأنتَ...؟
قلتُ:
وكيفَ
عرفتِني...
ولم يتركِ الزمنُ
في وجهي
شيئًا
من ذلكَ الطفل؟
ابتسمتْ...
وقالتْ:
ما عرفتُكَ
من ملامحِكَ...
عرفتُكَ
من لهفتِكَ.
فاللهفةُ
لا تشيخ.
ثم جلستْ
تفتحُ
دفاترَ عمرِها،
وتقرأُ
على مسامعي
سنينًا
من الانتظار،
ومن الخيباتِ
التي
كانت
تلبسُ
ثوبَ الصبر.
وأنا...
كنتُ
أجمعُ
ما تناثرَ
من أربعٍ وأربعينَ سنةً
بينَ دمعةٍ... وابتسامة.
ثم...
سادَ
صمتٌ
طويل...
نظرنا
إلى بعضِنا،
وتقدَّمتْ
خطوةً...
وتقدَّمتُ
خطوةً...
وبقيَ
ما حدثَ
بعدها...
وئامُ قلبين
عانا من الفقد
قلمي
د. عدنان الغريباوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق