الجمعة، 24 يوليو 2026

غياب الحقيقة في عالم الأقنعة بقلم طواهري امحمد

*غياب الحقيقة في عالم الأقنعة*

في عالم يغلب عليه التزييف والخداع، تختفي الحقيقة وراء وجوه مزيفة، وعقول تكرر الكلام دون تمحيص ولا تفكير.غابت الحقيقة في عالم الأقنعة، متى وكيف يمكننا أن نعيد للروح نور روحها ومقعدها المسلوب.

في عالم يرتدي فيه الناس أقنعة مزيفة، ولم تعد نرى الأشياء والأسماء بوضوح، أصبح الجبان يتحدث عن البطولات، وخائن للعهود يتحدث عن الوفاء، وعاهرة الشوارع تشرح لك عن العفة، وبائع الكرامة يتغنى بالشرف، وظالم الناس يهددك بالدعاء.

هذا العالم المزيف، حيث تتعارض الأقوال مع الأفعال، وحيث يصبح الحديث عن الفضائل مجرد عادة وسيلة للتجميل الاجتماعي أو لتحقيق مصالح شخصية. وكأن الألقاب أصبحت زينة تعلق مع الأسماء، بدل أن تكون شهادة مسيرة كفاح.

في هذا العالم، نجد أنفسنا محاطين بأشخاص يرفعون شعارات جميلة، يتحدثون عن الأمانة وهم يمارسون الخداع، ويدعون إلى النزاهة في المنابر وهم غارقون في عمق وقاع الفساد. يطالبون الآخرين بالالتزام بالقيم وهم أول من يتجاوزها عند أول اختبار حقيقي.

تعبنا من هذا العالم المزيف، فالأشخاص لا تكبر بما يضاف إليها من تصفيق وتطبيل، بل بما تصنعها من أثر في الحياة. لكن ما هو السبب وراء هذه التناقضات؟ هل هو الخوف من الحقيقة؟ هل هو الرغبة في الحفاظ على المظاهر؟ أم هو شيء آخر؟

إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بسهولة، ولكن ما يمكننا قوله هو أن هذا العالم هو عالم من الأقنعة، حيث تختفي الحقيقة وراء وجوه مزيفة. النبلاء والشرفاء لا يحتاجون إلى ألقاب قبل الأسماء، يكفيهم علمهم وأخلاق مأثرهم.

في قلب الحياة، نكتشف جوهرنا. كنت يومًا كأرض يلقى عليها صقيع الجليد، أتحمل ما لا يخصني، وأعيش حياة مثقلة بالشكوك وتساؤل الحيرة والخوف. لكن خلال تجاربي مع بعض الناس، اكتشفت مدى انتشار الحسد والحقد والكذب، ورأيت كيف يمكن للبعض أن يتعاملوا بلا أخلاق، وأن يرتدوا أقنعة تخفي ضمائر مظلمة تتغير وجوههم على حساب رغبة طلب.

أكثر ما يجعلني أفتخر بنفسي أنني ما زلت أنظر إلى الناس بعين واحدة وقياس عادل، دون تمييز أو أحكام مسبقة. وقد تعلمت من الحياة دروسًا لا تقدر بثمن، أهمها حسن اختيار الشريك، والصديق، وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس الاحترام والثقة.

أدركت أيضًا أن الحياة تشبه رحلة في البحر؛ فلا يوجد سفينة تنجو دائمًا، لكن من يجيد قيادة سفينته يحافظ على نفسه مهما اشتدت العواصف. مشكلتي أنني كنت أرهق نفسي بمحاولة فهم كل التناقضات وتلك الصراعات التي يعيشها الإنسان في عالم أصبح أقل رحمة وأكثر قسوة.

أما اليوم، فأشعر بطمئنان وبراحة كبيرة بعدما أدركت قيمة وجوهر الحياة، وأهمية أن أحيط نفسي بأشخاص راقين يتعاملون بلطف وتقدير واحترام، وإنسانية. وكل موقف، سواء كان مؤلمًا أو سعيدًا، علمني شيئًا جديدًا. لقد كانت التجارب القاسية مجرد مدرسة، صنعت مني إنسانًا أكثر وعيًا وصلابة.

اليوم أجد أن الحياة هي رحلة اكتشاف، رحلة لتجميع القطع المتناثرة من الذات، ولإعادة بناء ما تم تدميره. إنها فرصة لإعادة اكتشاف القيم الحقيقية، ولإحياء الأمل في قلب الإنسان. فلا تكن مخدوعًا بالأقنعة، ولا تكن أسيرًا للتناقضات. كن حقيقيًا، كن صادقًا، وكن راقيًا. فالحياة قصيرة، فلا تضيعها في البحث عن الأوهام المختفية خلف الحقيقة.

ابحث عن نفسك في قلب الحياة، فكم من مجهول بلا لقب كان عظيمًا وشريفًا، وكم من صاحب رتبة ومقام وألقاب كثيرة، كان أصغر من حروفها. فلا تلهث خلف الألقاب، وابحث في نفسك عن ما يعيد إلى قلبك دهشة الأولى.

بقلم الأديب طواهري امحمد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

في منتصف الطريق بقلم مؤيد التميمي

في منتصف الطريق أتنتظرني في منتصف الطريق، وأنا عطشى للقياك؟ هام قلبي بك شوقًا، حتى إذا ظننتُ أن اللقاء اقترب، رأيتك تجفو. أناديك... فلا يصلن...