سعاد حبيب مراد
الحنين إلى الديار
دَارِي أَحِنُّ إِلَى أَبْوَابِهَا شَغَفًا
وَإِنْ تَغَيَّرَ فِيهَا البَابُ وَالسَّكَنُ
يَا دَارُ، فِيكِ لَنَا ذِكْرَى مُعَطَّرَةٌ
وَفِي جُدْرَانِكِ الأَيَّامُ وَالوَطَنُ
فِيكِ الطُّفُولَةُ كَانَتْ فَرْحَةً عَبِقًا
تَلْهُو، وَفِي ضَحِكِ الأَطْفَالِ مُؤْتَمَنُ
وَكُنْتُ فِيكِ صَغِيرَةً مُدَلَّلَةً
أَمْشِي وَيَحْضُنُنِي بِالحُبِّ مَنْ سَكَنُوا
أَحِنُّ لِلْفِرَاشِ القَدِيمِ، أَلْثُمُهُ
فَفِي ثَنَايَاهُ أَسْرَارٌ لَنَا سَكَنُ
وَفِي القُمَاشِ غُبَارُ العُمْرِ مُلْتَصِقٌ
كَأَنَّهُ مِنْ حَنِينِ الأَمْسِ يَكْتَمِنُ
وَفِي الحَرِيرِ حِكَايَاتٌ مُعَطَّرَةٌ
كُلُّ الغُرُوزِ بِهَا ذِكْرَى لَهَا زَمَنُ
أُرِيدُ فُسْتَانَ طِفْلِي، كُلُّ غُرْزَتِهِ
حِكَايَةٌ مِنْ حَيَاتِي لَيْسَ تَنْدَفِنُ
يَا غُرْبَةَ الرُّوحِ، كَمْ أَوْجَعْتِ مُهْجَتِي
وَكَمْ أَضَعْتِ مِنَ الأَحْلَامِ مَا كَانُوا
هَلْ مِنْ رَسَائِلِ نَبْضٍ فِي مَسَافَتِنَا
تَصِلُ الأَحِبَّةَ؟ فَالقَلْبُ لَا يَهِنُ
يَا مَالِكَ القَلْبِ، كَفِّي عَنْ تَبَاعُدِنَا
فَإِنَّ بُعْدَكَ فِي أَعْمَاقِيَ المِحَنُ
يَكْفِي اغْتِرَابِي، وَيَكْفِي أَنَّنِي أَبَكِي
حِجَارَةَ الدَّارِ، وَالأَشْوَاقُ تَحْتَضِنُ
أَبْكِي الحَوَارِيَ الَّتِي كَانَتْ تُجَمِّعُنَا
بِالمَحَبَّةِ، لَا حِقْدٌ وَلَا فِتَنُ
وَكَمْ يَدٍ هَزَّتْ لِي السَّرِيرَ وَكَمْ
صَوْتٍ حَنُونٍ عَلَى أُذْنَيَّ يَلْتَحِفُ
وَفِي رِحَابِ الدِّيَارِ كَانَ مَوْعِدُنَا
وَفِي الوِهَادِ لَنَا أَحْلَامُنَا تَكُنُ
وَفِي وَاحَةِ دَارِي كَانَتِ الخِرَافُ
تَعْلُو، وَصِيَاحُ دِيكِ الصُّبْحِ يَحْتَدِمُ
وَالتِّينُ وَالتُّوتُ فِي أَرْجَاءِ ذَاكِرَتِي
شَجَرٌ يُرَتِّلُ لِلأَيَّامِ مَا دَفَنُوا
أَصْبَحْتِ يَا طُفُولَتِي ذِكْرَى مُؤَرِّقَةً
وَأُمْنِيَةً فِي ضُلُوعِ القَلْبِ تَسْكُنُ
وَلِي دُمْيَةٌ مِنْ قُمَاشٍ كُنْتُ أُحَاوِرُهَا
أَسْتَوْدِعُ السِّرَّ، وَالأَسْرَارُ تَأْتَمِنُ
كَانَتْ صَدِيقَةَ قَلْبِي، لَا تُفَشِّي لِي
سِرًّا، وَمَا خَانَنِي فِي حُبِّهَا زَمَنُ
يَا دَارُ، إِنْ طَالَ فِي الدُّنْيَا تَغَرُّبُنَا
فَأَنْتِ فِي مُهْجَتِي بَيْتٌ لَهُ سَكَنُ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق